الوعد الحق

بواسطة (المؤلف)طه حسين

د.ا3.00

عمل فلسفي وديني لطه حسين يناقش فيه قضايا الإيمان والقدر، ويستعرض الأسئلة الكبرى حول الحياة والموت في سياق عقائدي.

Available on backorder

قال ياسر بن عامر لأخويه مالك والحارث: عودا إن شئتما إلى أرض اليمن، أو اضربا إن شئتما في الأرض العريضة؛ فأما أنا فمقيم، قد أعجبتني هذه الأرض فلست أعدل بها أرضًا أخرى، ورضيت بهذه الدار فلست أبغي بها بديلًا، وما رحيلي عن أرض وجدت فيها الأمن بعد الخوف، والقوة بعد الضعف، والسعة بعد الضيق. قال أخوه مالك: بل قل ما رحيلي عن أرض فيها هذه الفتاة السوداء التي لا تملك من أمرها شيئًا، ولكنها تملك من أمرك كل شيء. قال ياسر: فظُنَّا بي ما شئتما من الظنون، ولكني مقيم لن أبرح هذه الأرض، ولن أتحوَّل عن هذه الدار.
قال الحارث: بُعْدًا لك من فتى يؤثر الغربة على قرب الدار، ومضرَ على قحطان، وقريشًا على عَنْس، ويْحَك؛ إنك لا تأمن أن تُسامَ الخسف١ وتُحمَلَ على ما تكره، ثم تلتمس العون فلا تجده، وتبتغي النصير فلا يجيبك إلا من يخذُلك ويعين عليك.
قال مالك: وإن فتاتك هذه السوداء لم تنجم٢ من أرض مكة ولم تنزل من سمائها، وإنما جُلِبتْ إليها فيما يُجلَب إليها من الرقيق، وإن شئت وجدت أمثالها في كل منزل تنزل فيه، وإن شئت احتلنا لك فيها حتى نخطفها وتعيش معها آمنًا بين بني أبيك وذوي مودَّتك.
قال ياسر: ضعَا هذا الأمر كيف شئتما؛ فإني مقيم لن أبرح هذه الأرض، ولن أتحوَّل عن هذه الدار، ولن أجزي أبا حُذَيفةَ عن الحسنة بالسيئة، ولا عن المعروف بالمنكر، ولن أرزأه شيئًا في ماله وهو الذي قد آوانا وقرانا وأحسن مثوانا.٣ عودا إن شئتما إلى أرض اليمن، واضربا إن شئتما في الأرض العريضة، فأما أنا فمقيم، وما أرى إلا أن لي في هذه الدار شأنًا.
قال الحارث: شأن الرقيق الذي لا يُستكرَه على الرِّق، وإنما يسعى إليه سعيًا، ويمعن فيه إمعانًا!٤ فإن رفق القوم بك وآثروك بالخير فشأن الحليف الذي يُعال ولا يعول.
قال ياسر: عودَا إن شئتما فإني مقيم.
قال الحارث لأخيه مالك: دَعه، فما علمته إلا نَكِدًا لا خير فيه.

Author

Year

Publisher

دار المعارف بمصر

آراء العملاء

لا توجد مراجعات حتى الآن.

كن أول من يراجع “الوعد الحق”

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

You may also like…